الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

63

تفسير روح البيان

* واعلم أن قوله وجعل عطف على أخرجكم وليس فيه دلالة على تأخر الجعل المذكور عن الإخراج لما ان مدلول الواو هو الجمع مطلقا لا الترتيب على أن اثر ذلك الجعل لا يظهر قبل الإخراج كما في الإرشاد . والتحقيق ان اللّه تعالى صفات سبعا مرتبة وهي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام وإذا قلب الكلام يصير كمالا فآخر الكمال الكلام كما أن أول الكمال الكلام لان أول التعينات الإلهية هي الهوية الذاتية وآخرها الكلام مطلقا وعلى هذا يدور الأمر في المظهر الإنساني ألا ترى ان أول ما يبدو في الجنين حس السمع ثم البصر ثم الكلام ولذا حرم تزوج الحبلى من النكاح اتفاقا ومن الزنى اختلافا لما قال عليه السلام ( من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر لا يسقين ماءه زرع غيره ) * فان قيل فم الرحم منسد بالحبل فكيف يوجد سقى الزرع * قلنا قد جاء في الخبر ( ان سمع الحمل وبصره يزداد حدة بالوطئ ) فظهر ان آخر ما يظهر بعد الولادة هو الكلام ومقتضى مقام الامتنان ان هذه القوى انما تظهر آثارها بعد الإخراج من بطون الأمهات وهذا لا ينافي حصولها قبله بالقوة القريبة من الفعل لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إرادة ان تشكروا هذه الآلات وشكرها استعمالها فيما خلقت لأجله من استماع كلام اللّه وأحاديث رسول اللّه وحكم أوليائه وما ليس فيه ارتكاب منهى ومن النظر إلى آيات اللّه والاستدلال بها على وجوده ووحدته وعلمه وقدرته فمن استعملها في غير ما خلقت له فقد كفر جلائل نعم اللّه تعالى وخان في أماناته : قال الشيخ السعدي قدس سره كذرگاه قرآن وپندست كوش * به بهتان وباطل شنيدن مكوش دو چشم از پى صنع بارى نكوست * ز عيب برادر فرو كير ودوست وقال الصائب ترا بگوهر دل كرده‌اند امانتدار * ز دزد امانت حق را نكاهدار مخسب * وفي التأويلات النجمية وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لأجسادكم كما جعل للحيوانات لتسمعوا بها وتبصروا وتفهموا ما يسمع الحيوان ويبصر ويفهم وجعل لارواحكم سمعا تسمعون به ما تسمع الملائكة وبصرا تبصرون به ما تبصر الملائكة وفؤادا تفهمون به ما تفهم الملائكة وجعل لاسراركم سمعا تسمعون باللّه وبصرا تبصرون باللّه وفؤادا تعرفون باللّه وهذه الحواس مستفادة من قوله تعالى كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبى يسمع وبي يبصر وبي ينطق لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ بهذه الآلات نعم اللّه وأداء شكر نعم اللّه باستعمالها وصرفها في طلب اللّه وترك الالتفات إلى النعم بل للمنعم * وفي الآية إشارة أخرى واللّه أخرجكم من بطون أمهاتكم اى من العدم وهو الام الحقيقي لا تعلمون شيأ قبل ان يعلمكم اللّه أسماء كل شئ وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة حين خاطبكم بقوله ألست بربكم فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم لسانا تجيبونه بقولكم بلى لعلكم تشكرون فلا تسمعون بهذا السمع الا كلامه ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله ولا تحبون بهذا الفؤاد الا ذاته ولا تكلمون بهذا اللسان الا معه أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ تقرير لمن ينظر إليهن وتعجيب من شأنهن . والطير جمع طائر اى ألم ينظروا